الشيخ محمد رشيد رضا

84

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وعملهم على شؤون الدفاع عن الملة وصون حقوقها ومقاومة أعدائها ؟ ؟ ما أشبه هذا النهى في قيوده باالنهى عن اتخاذ الكفار أنصارا وأولياء إذ قيد بقوله عز وجل ( 60 : 8 لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ . وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) وقد شرحنا هذا البحث في تفسير قوله تعالى ( 3 : 28 لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) « 1 » هذا التساهل الذي جاء به القرآن هو الذي أرشد عمر بن الخطاب إلى جعل رجال دواوينه من الروم وجرى الخليفتان الآخران وملوك بنى أمية من بعده على ذلك إلى أن نقل الدواوين عبد الملك بن مروان من الرومية إلى العربية . وبهذه السيرة وذلك الارشاد عمل العباسيون وغيرهم من ملوك المسلمين في نوط أعمال الدولة باليهود والنصارى والصابئين ، ومن ذلك جعل الدولة العثمانية أكثر سفرائها ووكلائها في بلاد الأجانب من النصارى . ومع هذا كله يقول متعصبوا أوروبا : إن الاسلام لا تساهل فيه ! ! « رمتني بدائها وانسلت » ألا إن التساهل قد خرج عند المسلمين عن حده ، حتى كتب الأستاذ الامام في ذلك مقالة في العروة الوثقى صدرها بالآية التي نفسرها نوردها هنا برمتها لأنها تدخل في باب تفسير الآية والاعتبار بها على أكمل وجه وهذا نصها [ نقلا من الجزء الثاني من تاريخه ] : * * * « قالوا : تصان البلاد ويحرس الملك بالبروج المشيدة والقلاع المنيعة والجيوش العاملة والأهب الوافرة والأسلحة الجيدة . قلنا : نعم ، هي أحراز وآلات لا بد منها للعمل فيما يقى البلاد ، ولكنها لا تعمل بنفسها ولا تحرس بذاتها فلا صيانة بها ولا حراسة إلا أن يتناول أعمالها رجال ذو وخبرة وأولو رأى وحكمة يتعهدونها بالاصلاح زمن السلم ويستعملونها فيما قصدت له من زمن الحرب وليس بكاف حتى يكون رجال

--> ( 1 ) راجع ص 276 وما بعدها من الجزء الثالث من التفسير